سيد محمد طنطاوي

365

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( فِي الْقُرْآنِ وَحْدَه وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) * يؤكد أن المشركين كانوا طوائف متعددة بالنسبة لموقفهم من القرآن الكريم ، ومن النبي صلى اللَّه عليه وسلم . أي : وجعلنا على قلوب هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة * ( أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه ) * أي : أغطية تسترها وتمنعها من فقه القرآن الكريم ، وفهمه فهما سليما . وجعلنا - أيضا - : * ( فِي آذانِهِمْ وَقْراً ) * أي : صمما وثقلا عظيما يمنعهم من سماعه سماعا ينفعهم . وقوله : - سبحانه - : * ( وإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَه وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً ) * بيان لرذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة . أي : وإذا ذكرت أيها الرسول الكريم - ربك في القرآن وحده ، دون أن تذكر معه آلهتهم المزعومة انفضوا من حولك ورجعوا على أعقابهم نافرين شاردين كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ . فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ . وبذلك ترى أن هاتين الآيتين قد صورتا قبائح المشركين المتنوعة أبلغ تصوير ، لتزيد في فضيحتهم وجهلهم ، ولتجعل المؤمنين يزدادون إيمانا على إيمانهم . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه . وأنه - تعالى - سيجازى هؤلاء الكافرين بما يستحقون من عقاب ، فقال - عز وجل - : * ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِه . إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وإِذْ هُمْ نَجْوى ، إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ) * . والباء في قوله - سبحانه - : * ( بِما يَسْتَمِعُونَ ) * متعلقة بأعلم ، ومفعول * ( يَسْتَمِعُونَ ) * محذوف ، تقديره ، القرآن . قال الآلوسي : قوله : * ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِه ) * أي : متلبسين به من اللغو والاستخفاف ، والاستهزاء بك وبالقرآن . يروى أنه صلى اللَّه عليه وسلم كان يقوم عن يمينه رجلان من بنى عبد الدار ، وعن يساره رجلان منهم ، فيصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار - إذا قرأ القرآن - . ويجوز أن تكون الباء للسببية أو بمعنى اللام . أي : نحن أعلم بما يستمعون بسببه أو لأجله من الهزء ، وهم متعلقة بيستمعون . . وأفعل التفضيل في العلم والجهل يتعدى بالباء ، وفي سوى ذلك يتعدى باللام ، فيقال : هو أكسى للفقراء ، والمراد من كونه - سبحانه - أعلم بذلك : الوعيد لهم . . « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 89 .